ابن خلكان

321

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وعلم أنه إن فتح نسب الفتح إليه دونه فأخذ في جمع العساكر وولى على القيروان ولده عبد الله وتبعه فلم يدركه إلا بعد الفتح وكان لذريق المذكور قد قصد عدوا له واستخلف في المملكة شخصا يقال له تدمير وإلى هذا الشخص تنسب بلاد تدمير بالأندلس وهي مرسية وما والاها وهي خمسة مواضع تسمى بهذا الاسم واستولى الفرنج على مرسية سنة اثنتين وخمسين وستمائة فلما نزل طارق من الجبل بالجيش الذي معه كتب تدمير إلى لذريق الملك إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري من السماء هم أم من الأرض فلما بلغ ذلك لذريق رجع عن مقصده في سبعين ألف فارس ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد فلما بلغ طارقا دنوه قام في أصحابه فحمد الله سبحانه وتعالى وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم في الشهادة ثم قال أيها الناس أين المفر والبحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس لكم والله إلا الصدق والصبر واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم غير سيوفكم ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم وتعوضت القلوب برعبها منكم الجراءة عليكم فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية فقد ألقت به إليكم مدينته المحصنة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن لكم إن سمحتم بأنفسكم للموت وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبدأ فيها بنفسي واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا فلا ترغبوا